اخبار لايف

أوروبا تواجه منافسة صينية أمريكية.. والحل في «السرعة والجرأة»


في لحظة مفصلية من تاريخ الاتحاد الأوروبي، وبين تصاعد المنافسة الصينية وتنامي النفوذ الأمريكي، اجتمع قادة الدول السبع والعشرين في بلجيكا لبحث سبل استعادة الزخم الاقتصادي للقارة، التي تراجع وزنها العالمي بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة.

وبين دعوات لتبسيط القواعد وتعزيز السوق الموحدة، يبرز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مدافعًا عن “الأولوية الأوروبية”، ويدعو إلى فرض التزامات على الشركات المستفيدة من الأموال العامة بالاعتماد على مكوّنات أوروبية.

وفي تقييمه للمشهد، قال الخبير الاقتصادي الفرنسي زافييه جارافيل، أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد، لـ”العين الإخبارية”: “التحدي الذي تواجهه أوروبا اليوم ليس في حجم اقتصادها، بل في بطء قراراتها وتشتت سياساتها مقارنة بمنافسين يتحركون بسرعة وحسم”.

وأوضح جارافيل أن النقاش الدائر داخل الاتحاد الأوروبي حول تسريع الإصلاحات لا يتعلق فقط بتحسين مؤشرات النمو على المدى القصير، بل بإعادة تعريف النموذج الاقتصادي الأوروبي في ظل تحولات عالمية عميقة.

وأشار إلى أن أوروبا تواجه “صدمة تنافسية مزدوجة”: من جهة الصين، التي نجحت في بناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة ومدعومة بسياسات هجومية، ومن جهة الولايات المتحدة التي اعتمدت سياسات دعم ضخمة للقطاعات الاستراتيجية، خاصة في مجالات التكنولوجيا الخضراء وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.

وأضاف جارافيل: “التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الاقتصاد الأوروبي، بل في تشتته وبطء قراراته مقارنة بالمنافسين”.

وأكد أن استكمال السوق الأوروبية الموحدة يمثل أولوية قصوى، لافتًا إلى أن “السوق الموحدة لا تزال غير مكتملة في مجالات الخدمات، الاقتصاد الرقمي، والطاقة”.

واعتبر أن إزالة الحواجز التنظيمية الداخلية يمكن أن ترفع الإنتاجية الأوروبية بشكل ملموس دون الحاجة إلى إنفاق مالي إضافي، موضحًا أن “أوروبا لا تعاني فقط من نقص الاستثمار، بل من ضعف في تخصيص الموارد عبر الحدود”.

وبخصوص مبدأ “الأولوية الأوروبية” الذي تدافع عنه فرنسا، رأى جارافيل أن الفكرة قد تكون أداة فعالة إذا استخدمت بشكل دقيق وموجه نحو القطاعات الحساسة، مثل التقنيات النظيفة أو الصناعات الدفاعية، محذرًا في الوقت نفسه من أن “الانزلاق نحو حمائية واسعة قد يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتقليص القدرة التنافسية للشركات الأوروبية عالميًا”.

وشدد على أن السياسة الصناعية الناجحة يجب أن تجمع بين دعم الابتكار والحفاظ على انفتاح مدروس على التجارة الدولية، مؤكدًا أن تمويل التحول الصناعي الأوروبي يتطلب أدوات مالية مشتركة أكثر طموحًا، مشيرًا إلى أن “الاستثمار في التقنيات المستقبلية والبنية التحتية الخضراء يحتاج إلى رؤية طويلة الأجل تتجاوز الدورات الانتخابية الوطنية”.

وأضاف أن النقاش حول الاقتراض الأوروبي المشترك يجب أن يُربط بإصلاحات هيكلية واضحة تضمن تحسين الإنتاجية وتعزيز الابتكار، مؤكدًا أن أوروبا لا تفتقر إلى الكفاءات أو رأس المال أو السوق، بل إلى “السرعة والجرأة في التنفيذ”، مشددًا على أن السنوات الخمس المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيظل قوة صناعية وتكنولوجية كبرى أم سيتحول تدريجيًا إلى مجرد سوق استهلاكية مفتوحة لمنتجات الآخرين.

ويركز النقاش على إصلاح السوق الموحدة، التي تضم 450 مليون مستهلك وتشكل العمود الفقري للبناء الأوروبي منذ عقود، لكنها تواجه اليوم مخاطر حقيقية، في ظل السيطرة الصينية على المعادن النادرة الحيوية للصناعة العالمية وتدفق منتجاتها إلى أوروبا.

وعُقد الاجتماع في قصر ألدن بيزن، المقر التاريخي لفرسان التيوتون شمال شرق بلجيكا، حيث وصل القادة الأوروبيون بعزم مشترك على دفع الإصلاحات الضرورية لإعادة الحيوية إلى الاقتصاد الأوروبي.

وتتمحور النقاشات حول ثلاثة محاور رئيسية: إلغاء القوانين والتنظيمات غير الضرورية التي تثقل كاهل الشركات، استكمال وتعميق اندماج السوق الأوروبية الموحدة، وحماية القطاعات الاستراتيجية في مواجهة المنافسة الخارجية.

والهدف المعلن هو بناء “أوروبا أكثر سرعة وفاعلية”، قادرة على التحرك بمرونة أكبر في عالم يشهد تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة.

ورغم اتفاق عام على ضرورة الإصلاح، برزت اختلافات في تحديد الأولويات؛ ففرنسا تدفع باتجاه حماية الصناعة الأوروبية عبر تعزيز شعار “صُنع في أوروبا”، فيما تميل ألمانيا إلى التركيز على تحرير الأسواق وتقليص القيود التنظيمية على نطاق واسع.

ومع ذلك، حرص الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني على الظهور سويًا أمام الصحفيين لدى وصولهما، في إشارة رمزية إلى أن “المحرك الفرنسي-الألماني” الذي يشكل تقليديًا ركيزة التكامل الأوروبي لا يزال يعمل، رغم التباينات في الرؤى.

وتراجعت حصة الاتحاد الأوروبي من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى ما دون 15%، في مؤشر اعتبره كثيرون جرس إنذار. وكان تقرير صادم قدمه قبل 18 شهرًا الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي، دعا فيه إلى تحرك عاجل.

وتساءل دراغي مؤخرًا: “هل نريد أن نبقى مجرد سوق كبيرة تخضع لأولويات الآخرين؟ أم نريد اتخاذ الخطوات اللازمة لنصبح قوة حقيقية؟”، مشيرًا إلى أن القوة الاقتصادية تمكّن الاتحاد من تمويل جهوده الدفاعية المتنامية، والتفاوض على اتفاقيات تجارية أكثر فائدة، وتفادي التهميش على الساحة الدولية.

وضعت المفوضية الأوروبية برنامجًا شاملًا لتعزيز التنافسية، يشمل إزالة الحواجز الداخلية التي تعرقل النشاط الاقتصادي، استكمال “اتحاد أسواق رأس المال” لتوجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج، وتقليص التداخل بين التشريعات الأوروبية والوطنية.

لكن هذه الإصلاحات اصطدمت بتعقيدات المسار التشريعي داخل الاتحاد، ودعت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين البرلمان الأوروبي إلى تسريع الإجراءات، مؤكدة أنها ستعرض في مارس/آذار مشروع نظام قانوني جديد للشركات تحت اسم “EU Inc”، يهدف إلى تقليص الأعباء الإدارية على الشركات.

كما ألمحت إلى إمكانية اللجوء إلى “تعاون معزز” يسمح للدول الراغبة بالمضي قدمًا حتى دون إجماع كامل بين الدول السبع والعشرين.

ورغم توافق عام على ضرورة التحرك السريع، لا تزال التباينات قائمة بين الدول الأعضاء، ففي قمة للصناعة الأوروبية عُقدت في أنتويرب، شدد كل من ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس على ضرورة إصلاح أوروبا دون تأخير، بحسب صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية.

غير أن ماكرون دافع بقوة عن مبدأ “الأولوية الأوروبية”، داعيًا إلى إلزام بعض الشركات المستفيدة من الأموال العامة، ومن بينها شركات صناعة السيارات، بشراء مكوّنات أوروبية.

وفي المقابل، رأى ميرتس أن هذا التوجه ينبغي أن يقتصر “على القطاعات الاستراتيجية فقط، وفي الملاذ الأخير”، مع عدم استبعاد بعض الدول الشريكة.

كما قوبل مقترح ماكرون بشأن إصدار قروض أوروبية مشتركة لتمويل الاستثمارات المستقبلية ببرود في برلين، حيث شدد مصدر حكومي ألماني على أن “المطالبة بمزيد من الأموال دون تنفيذ إصلاحات أمر غير مقبول”.

رغم هذه الفوارق، أكد دبلوماسي أوروبي أن “هناك نقاط تقارب كثيرة”، وإن كانت “اللمسات السياسية أو الوطنية تختلف قليلًا”، بحسب صحيفة “ويست فرانس” الفرنسية.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى