الإمارات في الأمم المتحدة.. ترسيخ متواصل لنهج الحوار والشراكة في مواجهة الأزمات العالمية

تشارك دولة الإمارات في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مرحلة دولية وإقليمية تتسم بتسارع التحولات وتزايد التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية والمناخية، الأمر الذي يضاعف الحاجة إلى تعزيز الحوار والدبلوماسية والعمل متعدد الأطراف، وتطوير آليات أكثر فاعلية للتعامل مع الأزمات والوصول إلى حلول عملية ومستدامة.
ويعكس الحضور الإماراتي في أعمال الجمعية العامة رؤية تقوم على أهمية العمل المشترك والشراكة الدولية في مواجهة التحديات العابرة للحدود، انطلاقاً من قناعة بأن تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية لم يعد مسؤولية دولة أو مجموعة محددة من الدول، وإنما يتطلب تعاوناً دولياً واسعاً يقوم على الحوار واحترام القانون الدولي وبناء المصالح المشتركة.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه العالم أزمات متشابكة تمتد آثارها من الأمن والسياسة إلى الاقتصاد والطاقة والغذاء والمياه والمناخ والتكنولوجيا، بما يجعل من اجتماعات الجمعية العامة منصة رئيسية لمناقشة سبل التعامل مع هذه التحديات وبناء توافق دولي قادر على تحويل النقاشات والتعهدات إلى خطوات عملية.
الدبلوماسية والحوار أساس لمعالجة الأزمات
وتضع دولة الإمارات الحوار والدبلوماسية في صميم نهجها للتعامل مع القضايا الإقليمية والدولية، مؤكدة أن معالجة النزاعات والخلافات ينبغي أن تقوم على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها والالتزام بمبادئ القانون الدولي، واللجوء إلى الوسائل السلمية بوصفها الطريق الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار المستدام.
وينطلق هذا النهج من أهمية إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين مختلف الأطراف، خصوصاً في أوقات التوتر والأزمات، والعمل على إيجاد مساحات مشتركة يمكن البناء عليها للوصول إلى تفاهمات وحلول تخفف من حدة الخلافات وتحد من تداعياتها.
وترى دولة الإمارات أن استمرار الأزمات دون مسارات سياسية ودبلوماسية جادة يؤدي إلى زيادة كلفتها الإنسانية والاقتصادية والأمنية، ومن ثم فإن تعزيز فرص الحوار والتفاوض يمثل ضرورة أساسية لمنع تفاقم النزاعات والحفاظ على الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
خفض التصعيد ودعم المسارات السياسية
وفي ظل التطورات الإقليمية الراهنة، تواصل دولة الإمارات الدعوة إلى ضبط النفس وخفض التصعيد وتجنب توسيع دائرة المواجهة، مع التشديد على ضرورة العودة إلى الحوار والمفاوضات ودعم المسارات السياسية والدبلوماسية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل ما يمكن أن تسببه الأزمات الممتدة من تداعيات واسعة لا تقتصر على الأطراف المباشرة، وإنما تؤثر في الأمن الإقليمي وحركة التجارة والطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد، فضلاً عن انعكاساتها الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، تؤكد الإمارات أهمية معالجة جذور الأزمات، بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياتها، عبر دعم حلول مستدامة تراعي المصالح المشروعة للأطراف وتسهم في توفير بيئة أكثر استقراراً وقدرة على تحقيق التنمية.
حماية المدنيين أولوية إنسانية
وتحتل الاعتبارات الإنسانية مكانة أساسية في رؤية دولة الإمارات للتعامل مع الأزمات، إذ تؤكد أن حماية المدنيين والحد من المعاناة الإنسانية وضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين تمثل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المجتمع الدولي.
وتبرز في هذا السياق أهمية توفير استجابات إنسانية سريعة وفعالة، بالتوازي مع دفع المسارات السياسية التي تستهدف وقف النزاعات ومنع توسعها، بما يضمن ألا تصبح المساعدات الإنسانية بديلاً عن الحلول السياسية، وإنما جزءاً من استجابة دولية متكاملة تعالج الاحتياجات العاجلة وتعمل في الوقت نفسه على معالجة مسببات الأزمات.
وتشدد الإمارات على أهمية التعاون بين الدول والمنظمات الدولية والإنسانية لتسهيل وصول المساعدات إلى المتضررين والحد من التداعيات الناجمة عن الأزمات، خصوصاً على الفئات الأكثر عرضة للخطر.
اقتصاد أكثر صلابة من خلال تنويع الشراكات
ولا تنفصل الأولويات السياسية والأمنية عن البعد الاقتصادي في رؤية دولة الإمارات، التي تعتبر أن بناء اقتصاد قوي ومرن يشكل أحد الأسس الرئيسية للاستقرار والتنمية المستدامة.
ويقوم النهج الإماراتي على الانفتاح على الاقتصاد العالمي وتنويع الشراكات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، بما يسهم في تعزيز مرونة الاقتصاد وقدرته على التعامل مع المتغيرات الدولية.
كما يمثل الارتباط بالأسواق العالمية وتوسيع شبكات التجارة والاستثمار أحد المحاور الأساسية لتعزيز سلاسل الإمداد وفتح أسواق جديدة ودعم القطاعات المستقبلية، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي والتطور المتسارع في التكنولوجيا والطاقة والصناعات الجديدة.
ومن خلال هذا التوجه، تسعى الإمارات إلى بناء شراكات طويلة الأجل تقوم على المصالح المتبادلة وتوفر فرصاً جديدة للنمو والاستثمار والتعاون بين مختلف الاقتصادات.
شراكات دولية لتعزيز العمل متعدد الأطراف
وتواصل دولة الإمارات توسيع شبكة شراكاتها الدولية على أساس التعاون والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مع تعزيز مشاركتها في منصات العمل الدولي متعدد الأطراف.
وتنظر الإمارات إلى المؤسسات والمنصات متعددة الأطراف باعتبارها أدوات مهمة لتعزيز التفاهم وبناء الشراكات وتبادل الخبرات، بما يسهم في تطوير استجابات مشتركة للتحديات الدولية ويمنح الدول فرصاً أوسع للمساهمة في صياغة الحلول.
المياه والمناخ.. الانتقال من الالتزامات إلى التنفيذ
وتبرز قضايا المياه والمناخ والتنمية المستدامة ضمن الأولويات التي تحملها دولة الإمارات إلى المحافل الدولية، في ظل ما تمثله هذه الملفات من تحديات مترابطة تؤثر بصورة مباشرة في الأمن الغذائي والاقتصاد والتنمية وحياة المجتمعات.
وتؤكد الإمارات أهمية الانتقال في التعامل مع هذه القضايا من مرحلة التعهدات والالتزامات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، بما يتطلب توفير التمويل وتوسيع نطاق الشراكات وتطوير حلول عملية قابلة للتطبيق والتوسع.
ويرتبط الأمن المائي بصورة وثيقة بالأمن الغذائي والمناخي، الأمر الذي يجعل تعزيز التعاون الدولي في هذا المجال ضرورة متزايدة، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على الموارد المائية وتأثيرات التغير المناخي وتزايد الضغوط على مصادر المياه في عدد من مناطق العالم.
مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026
وفي هذا الإطار، تبرز استضافة دولة الإمارات، بالشراكة مع جمهورية السنغال، مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 في أبوظبي خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر، باعتبارها محطة مهمة لدفع العمل الدولي في ملف المياه.
ويمثل المؤتمر فرصة لجمع الدول والمؤسسات والمنظمات الدولية والخبراء والشركاء حول طاولة واحدة، بهدف تعزيز التعاون وتبادل الخبرات ومناقشة الحلول القابلة للتطبيق، إلى جانب حشد الشراكات والموارد اللازمة لمواجهة تحديات الأمن المائي.
كما يوفر المؤتمر منصة لتعزيز الربط بين قضايا المياه والتنمية والمناخ والغذاء، والعمل على تطوير حلول تتناسب مع الاحتياجات المختلفة للدول والمجتمعات.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لصناعة المستقبل
ويحتل ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكار موقعاً متقدماً ضمن رؤية الإمارات للمستقبل، إذ تنظر الدولة إلى هذه الأدوات باعتبارها عاملاً رئيسياً في توسيع الفرص الاقتصادية والتنموية، وتحسين جودة الحياة، وزيادة الإنتاجية، وتطوير الخدمات.
وفي المقابل، تؤكد الإمارات أهمية الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، بما يحقق التوازن بين الاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي توفرها التقنيات الحديثة وبين بناء أطر تضمن توظيفها لخدمة الإنسان والمجتمع.
ويرتبط ذلك بأهمية الاستثمار في التعليم والمعرفة وتنمية المهارات وبناء القدرات البشرية القادرة على التعامل مع التحولات الرقمية المتسارعة والمشاركة في تطوير اقتصاد المستقبل.
الإنسان في صميم التنمية المستدامة
وتؤمن دولة الإمارات بأن الإنسان يمثل العنصر الأساسي في أي عملية تنموية مستدامة، وأن الاستثمار في بناء القدرات والمعرفة والمهارات يشكل أساساً لمجتمعات أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وفي هذا السياق، تولي الدولة أهمية لتمكين المرأة والشباب وتعزيز دور الأسرة وترسيخ قيم التسامح والتعايش، بما يسهم في تعزيز التماسك المجتمعي وتهيئة بيئة توفر فرص المشاركة والتنمية لجميع أفراد المجتمع.
وتعكس هذه الأولويات رؤية تعتبر أن التنمية لا تقاس فقط بالنمو الاقتصادي أو التقدم التكنولوجي، وإنما كذلك بقدرة المجتمعات على الاستثمار في الإنسان، وتوفير الفرص، وتعزيز المعرفة، وبناء منظومة قيم تساعد على تحقيق الاستقرار والتقدم.
من الحوار إلى الفعل
وتؤكد مشاركة دولة الإمارات في الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة أن التعامل مع التحديات العالمية يتطلب تجاوز مرحلة التشخيص والنقاش إلى مرحلة العمل والتنفيذ، من خلال بناء شراكات أكثر فاعلية وتطوير حلول واقعية قابلة للتطبيق.
ومن السلام والأمن إلى التنمية والاقتصاد والمياه والمناخ والتكنولوجيا، تطرح الإمارات رؤية تقوم على أهمية التعاون الدولي والعمل الجماعي وربط الالتزامات الدولية بإجراءات عملية تحقق نتائج ملموسة.
ويجسد هذا التوجه قناعة بأن التحديات المتشابكة التي تواجه العالم لا يمكن معالجتها بصورة منفردة، وأن بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً يتطلب تعاوناً قائماً على الحوار والشراكة وتحمل المسؤولية المشتركة.
ومن خلال حضورها في أعمال الجمعية العامة، تواصل دولة الإمارات التأكيد على أهمية الدبلوماسية والحوار، وتعزيز الشراكات الدولية، ودعم التنمية المستدامة والابتكار والاستثمار في الإنسان، مع التركيز على تحويل التوافقات الدولية إلى خطوات عملية تسهم في بناء عالم أكثر قدرة على مواجهة أزمات الحاضر واستشراف فرص المستقبل.



