شجرة الغاف.. رمز الطبيعة والتسامح في الإمارات

تحظى شجرة الغاف بمكانة خاصة لدى أهل الإمارات، نظراً لقيمتها البيئية وفوائدها المتعددة، واقترانها بهوية الدولة وتراثها، ولذلك أولت الإمارات اهتماماً كبيراً بها، وأطلقت العديد من المبادرات التي أسهمت في الحفاظ عليها وزيادة أعدادها.
وعلى الرغم من كون “الغاف” شجرة تنمو بشكل كبير في بلدان عديدة في غرب آسيا وشبه القارة الهندية وشبه الجزيرة العربية، إلا أنها تعد رمزا لدولة الإمارات التي تحرص منذ سنوات على حمايتها والتوسع في زراعتها.
ومنذ نحو 25 عاما تحظر دولة الإمارات، بموجب القانون الاتحادي رقم 24 لعام 1999، قطع النباتات البرية أو اقتلاعها أو جمعها بطريقة غير مشروعة، وعلى رأسها شجرة الغاف، بل وتتخذ تدابير صارمة حيال ذلك.
ارتباط الإمارات بـ”الغاف” يرجع لكونها من الأشجار الأصلية، ولها علاقة وثيقة بالموروث الشعبي والبيئي والأصالة الإماراتية، فضلا عن كونها رمزاً للصمود في الصحراء وشاهداً على عادات قديمة لأبناء الدولة.
ومؤخرا، استلهمت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغيفا، من شجرة “الغاف” المتجذرة بأرض الإمارات نموذجاً ملهماً للإشارة لتطلعها لسياسة مالية عالمية قوية.
وتطلعت المسؤولة الدولية إلى “سياسة مالية قوية مقاومة للصدمات تشبه شجرة الغاف المتجذرة في أرضها كما هي في الإمارات”، متمنية أن تصبح “الغاف رمزا لنشاطنا في المساهمة في إحقاق الأمن والاستقرار والسلام”.
ما هي شجرة الغاف؟
الغاف شجرة تتحمل الجفاف، ويمكن أن تظل خضراء حتى في البيئات الصحراوية القاسية، وتعد من الأشجار المهمة للأنواع الحيوانية والنباتية على حد سواء.
وتمتاز أشجار الغاف بسهولة تكاثرها وسرعة نموها والتكيف مع الأجواء البيئية المحيطة بها، إذ تتعمق جذورها في التربة لمسافات بعيدة، كما تتميز بقدرتها على تحمّل الجفاف وامتصاص المياه من 20 متراً تحت سطح الأرض.
و”الغاف” من الأشجار المعمرة، إذ تعيش في المتوسط نحو 120 عاما، بل وهناك واحدة منها تخطى عمرها 400 عام تُسمى “شجرة الحياة” وتنمو في مملكة البحرين.
فوائد شجرة الغاف

تعد هذه الأشجار ثروة متعددة الفوائد، وفي مقدمتها مكافحة التصحر، إذ تتحمّل الملوحة العالية وتقلبات الجو والرياح، وهي ملائمة للزراعة في التربة الرملية.
وتعمل شجرة الغاف على تقليل الانبعاثات الكربونية من خلال امتصاصها، وبذلك تساعد على تقليل آثار التغير المناخي، كما تسهم في تحسين جودة الهواء، إذ يمكن أن تحتجز نحو 34.65 كيلوغراماً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، ما يساعد كوكب الأرض على مقاومة آثار التغير المناخي.
وتؤدي أشجار الغاف دوراً مكملاً للسلسلة الغذائية في النظام الإيكولوجي في دولة الإمارات، إذ تعتبر أزهارها وثمارها وأوراقها وأغصانها وجذورها موارد وموائل لتشكيلة من النباتات والحيوانات المتوطنة، ما يجعلها نوعاً أساسياً تعتمد عليه العديد من الأنواع، كما تبني طيور كثيرة أعشاشها فيها، ويجني النحل رحيق أزهارها لينتج عسلاً رفيع الجودة.
أيضا، تتخذ نباتات شجيرية ومتعرشة من أشجار الغاف دعامات تنمو عليها، وتوفر ظلالها مناخاً مؤاتياً لكثير من الحيوانات في حر الصيف.

ومن الفوائد الأخرى لهذه الشجرة المعمرة، استخدام خشبها في أغراض البناء وصناعة الأدوات الخشبية والأثاث، وطحن ثمارها وتحويلها إلى خبز حلو الطعم يؤكل كغذاء مفيد غني بالمواد البروتينية والسكرية.
أيضا تستخدم هذه الأشجار كمصدات للرياح، ويستعمل صمغها في طلاء الفخار، وتدخل مكوناته في تصنيع صبغات الشعر.
وتوفر أوراق الغاف وقرونها مصدراً للغذاء، كما تستخدم فروعها لتغذية الماشية بجانب استخدامات تقليدية لخصائصها الطبية، وفقا لموقع “هيئة البيئة – أبوظبي”.
كما تمتاز شجرة الغاف بمنافعها الطبية، إذ تعمل على حل مشاكل الجهاز الهضمي المتعددة، وتستخدم أوراقها في صناعة الأدوية المتخصصة في علاج التهاب الحلق والأمراض الجلدية وغيرها.
ووفقا لوكالة الأنباء الإماراتية “وام”، تستخدم هذه الشجرة لتشجير الشوارع والطرق والمتنزهات العامة التي تزيّنها وتضفي عليها سمة جمالية راقية.
شجرة الغاف هوية إماراتية

تحظى شجرة الغاف بمكانة خاصة لدى أهل الإمارات، إذ تعتبر الشجرة الوطنية للدولة ومن رموزها الثقافية كونها تمتلك قدرة عجيبة على التأقلم المثالي مع بيئتها الصحراوية القاحلة.
ومع مرور السنوات، أصبحت شجرة الغاف جزءا من تراث دولة الإمارات، لذا أولت اهتماماً كبيراً بها وأطلقت العديد من المبادرات الحفاظ عليها وزيادة أعدادها.
وبدأ الاهتمام الإماراتي بهذه الشجرة منذ عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي عرف عنه حبه العميق للطبيعة وحرصه الشديد على حماية البيئة، لتتوسع الدولة في زراعة الأشجار عموماً، والغاف خصوصاً، ومعها صدرت توجيهاته بمنع قطعها في جميع إمارات الدولة، كما أمر باستزراع غابات جديدة منها.
ومنذ مطلع الألفية الحالية، أطلقت العديد من الجهات الحكومية والخاصة في دولة الإمارات حملات وطنية لحماية أشجار الغاف، تضمنت مبادرات للتوعية البيئية لجميع فئات المجتمع، إضافة إلى تنظيم مسابقات بيئية وتوزيع ملصقات ومنشورات حول أهمية شجرة الغاف وكيفية المحافظة عليها.
وهدفت هذه الحملات إلى حماية هذه الشجرة من خطر الانقراض، اعترافاً بقيمتها وأهميتها في حماية بيئة الإمارات وإسهامها في مكافحة التصحر وارتباط أبناء المنطقة بها منذ القدم.
ومن أبرز تلك الحملات مشاريع ترقيم أشجار الغاف في كل من إمارة أبوظبي ودبي وعجمان ورأس الخيمة، إضافة إلى زراعة أشجار الغاف في محمية حزام غابات المنتثر في الشارقة.

كما أطلقت وزارة التغير المناخي والبيئة في الإمارات، بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 18 لسنة 2018 بشأن زراعة النباتات المحلية والمحافظة على الطبيعة، الموقع الإلكتروني “غراس” لتشجيع الجمهور على زراعة النباتات المحلية وعلى رأسها الغاف.
وبحلول عام 2008، توجت الغاف “الشجرة الوطنية لدولة الإمارات”، بفضل قدرتها العجيبة على التأقلم المثالي مع البيئة الصحراوية للدولة، بجانب أهميتها للإنسان والحيوان وللحفاظ على توازن البيئة كذلك.
وفي عام 2019 تم اختيار شجرة الغاف لتكون شعاراً لعام التسامح في دولة الإمارات، نظراً للدلالات الكبيرة التي تحملها الشجرة باعتبارها من الأشجار الأصلية، وترتبط بالموروث الشعبي والبيئي والأصالة الإماراتية، وتعد رمزاً للصمود في الصحراء، وشاهداً على عادات قديمة.
وفي إطار عام التسامح، زرعت هيئة البيئة – أبوظبي 600 شجرة غاف في منطقة الفاية، لتوفير المأوى والموئل لعدة آلاف من الأنواع، والتي يعتبر بعضها مهدد بالانقراض على مستوى العالم، كما تعمل هذه الأشجار كمصد طبيعي للرياح النشطة في المنطقة.
وفي عام 2020، أعلنت وزارة التغير المناخي والبيئة الإماراتية عن نجاح زراعة 6 ملايين بذرة سمر، و250 ألف بذرة غاف في 25 موقعاً مختاراً بشكل علمي في الدولة.
أيضا، حرصت هيئة البيئة – أبوظبي على حماية أشجار الغاف وزيادة أعدادها، إذ تم زراعة أكثر من 6 ملايين شجرة في إمارة أبوظبي، والتي أصبحت تشكل ما نسبته 31% من مجمل الأشجار المزروعة في الغابات، إضافة إلى تسجيل ما يقرب من 54 ألفاً من أشجار الغاف التي تعيش في بيئاتها الطبيعية في الأجزاء الشرقية من الإمارة.
والآن وبعد عقود من الاهتمام والتقدير، يقف الملايين من شجر الغاف شامخا يغطي مساحات واسعة من أرض الإمارات، ليمنح الدولة هوية مختلفة ومتجذرة ويصبح جزءا مهما من تراثها، ويمد الطبيعة بفوائد عديدة ويهب الكوكب “طوق نجاة” من تبعات التتغير المناخي.

aXA6IDE5Mi4yNTAuMjM5LjExMCA= جزيرة ام اند امز



