حرب إيران تهدد ركائز الصناعات في أوروبا.. الغذاء والسيارات يتصدران

خلال الحرب العالمية الأولى، استغلت بريطانيا اعتماد ألمانيا على واردات حيوية بفرض حصار بحري. وبعد قرن، تواجه أوروبا مخاطر مشابهة في مدخلاتها الصناعية الأساسية.
هذه المرة، لا يكمن الخطر في إمداداتها من المواد الكيميائية الأساسية بسبب قوة عسكرية معادية، بل في اقتصاديات إنتاجها، والمشاكل في معظمها من صنع أيديها، وفق تقرير حديث لوكالة بلومبرغ.
وعلى مدى عقود، انتهج الاتحاد الأوروبي سياسات اعتمدت على سهولة الوصول إلى موارد العالم، وفي خضم انهيار النظام العالمي، تهدد هذه التبعيات المتأصلة بالتصاعد في سلسلة القيمة، لتؤثر على كل شيء من الغذاء والمسكنات إلى السيارات ومواد البناء.
ومع تعطل أسواق النفط والغاز الطبيعي نتيجة توقف الملاحة عبر مضيق هرمز، أصبحت المواد الكيميائية الأساسية، مثل الإيثيلين والبروبيلين اللذين يدخلان في صناعة البلاستيك، أقل قدرة على المنافسة في أوروبا.
وتؤثر هذه الظروف أيضاً على مركبات مثل الأمونيا، الغاز ذي الرائحة النفاذة الذي بدأت ألمانيا بإنتاجه صناعياً خلال الحرب العالمية الأولى بعد انقطاع إمداداتها من النترات من تشيلي.
ولطالما اعتمد الاتحاد الأوروبي على الاستيراد لأغلب احتياجاته من الطاقة لعقود.
وقد برز هذا الاعتماد جلياً مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية، وتفاقم في أعقاب الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز، يواجه الاتحاد الأوروبي خطر توقف الإنتاج المحلي للمواد اللازمة لتصنيع المواد الكيميائية الأكثر تعقيداً.
ورغم أن الاستيراد خيارٌ مطروح، إلا أنه سيزيد من تأثر المنطقة بالتقلبات العالمية.
ويقول يان فريز، الشريك في مجموعة بوسطن الاستشارية، “في ظل التجارة العالمية الحرة، يمكن استيراد العديد من المنتجات الكيميائية بسهولة. لكن في أوقات الأزمات أو عند تشكّل تكتلات جيوسياسية تعيق التجارة الحرة، يصبح هذا الأمر إشكالياً، إذ قد تتوقف خطوط الإنتاج بأكملها فجأة”.
تحذيرات متكررة
وتكررت التحذيرات من أن اعتماد أوروبا على سلاسل التوريد العالمية بات يمثل مشكلة.
فبعد جائحة كوفيد-19، توقف إنتاج السيارات في القارة الأوروبية تماماً بسبب نقص رقائق الرقائق من آسيا.
ومؤخراً، وُضع قطاع الطيران الأوروبي في حالة تأهب قصوى بعد أن هدد إغلاق مضيق هرمز بنقص وقود الطائرات.
وبالنسبة لشركة SKW Stickstoffwerke Piesteritz GmbH، التي تُعدّ إرثًا من استثمارات الإمبراطورية الألمانية لإعادة بناء سلسلة التوريد الخاصة بها خلال الحرب العالمية الأولى، أصبحت المخاطر ملموسة.
ويقول كارستن فرانزكه، الرئيس التنفيذي للعمليات في SKW، في فيتنبرغ بشرق ألمانيا، “نحن نركز بالدرجة الأولى على البقاء، لأن هذا هو ما على المحك، الأرض من تحت أقدامنا بدأت تهتز، والجدران تنهار”.
واضطرت أكبر شركة منتجة للأمونيا في ألمانيا إلى إيقاف الإنتاج مؤقتًا عام 2022 بعد ارتفاع حاد في أسعار الغاز، ما جعل إنتاج هذا المكون الأساسي للأسمدة ومضافات الوقود والمتفجرات غير مربح.
ورغم أن شركة SKW لا تزال قادرة على تحميل المستهلكين التكاليف المرتفعة نتيجة الحرب الإيرانية، إلا أن الوضع الراهن يُظهر مدى تقلب هذا القطاع.
ونتيجةً لارتفاع التكاليف وصعوبة الحصول على المواد الخام في أعقاب الحرب الإيرانية، رفعت شركة BASF SE الألمانية العملاقة للمواد الكيميائية أسعار المنظفات بنحو 30%، في حين أعلنت شركة Evonik Industries AG المنافسة أيضًا عن رفع أسعار المركبات المستخدمة في علف الماشية والدجاج، وفي نهاية المطاف، تنعكس هذه الزيادات على تكلفة المعيشة.
وحتى قبل الصدمة الأخيرة في قطاع الطاقة، أُغلقت مصانع رئيسية للأمونيا في ألمانيا وبلجيكا.
وبين عامي 2022 و2025، أُغلقت نحو 9% من طاقة الإنتاج الكيميائي في أوروبا، مع تسارع وتيرة الإغلاق بشكل حاد خلال العامين الماضيين، وفقًا لمجموعة Cefic الصناعية.
في الوقت نفسه، قامت الصين بتوسيع طاقتها الإنتاجية بسرعة في سعيها لتحقيق الاكتفاء الذاتي، مما ساهم في فائض عالمي من المنتجات وضغط على الشركات الأوروبية.
وبينما يشعر الناس عادةً بصدمات الطاقة نتيجةً لارتفاع أسعار البنزين، تقع مصانع الكيماويات في مراحل مبكرة من سلسلة التوريد، ما يجعل مشاكل هذا القطاع تمر دون أن يلاحظها أحد، على الرغم من أنه يوظف نحو 1.2 مليون شخص.
وغالبًا ما يؤدي اعتماد أوروبا على واردات الغاز الطبيعي المسال إلى ارتفاع سعره في الولايات المتحدة بمقدار ضعفين إلى ثلاثة أضعاف، بينما تقع الصين في المنتصف.
كما يتعين على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات، دفع تكاليف انبعاثات الكربون. فقد دفعت شركة إس كيه دبليو 40 مليون يورو (47 مليون دولار) مقابل شهادات الانبعاثات في عام 2025، وهي تكلفة من المتوقع أن ترتفع خلال السنوات القادمة.
ولا يواجه معظم المنافسين الدوليين مثل هذه الرسوم، وقد صُممت القواعد في وقتٍ توقع فيه صانعو السياسات في أوروبا أن تحذو الاقتصادات الكبرى الأخرى حذوها في مجال البيئة. لكن ذلك لم يحدث، ففي عهد الرئيس دونالد ترامب، تخلت الولايات المتحدة عن العديد من إجراءات حماية المناخ، بينما تسعى الصين إلى الارتقاء في سلسلة القيمة الصناعية لتنافس أوروبا بشكل مباشر.
مواجهة التحدي الجديد
ووفق تقرير لصحيفة وول ستريت جرونال، يواجه القطاع الصناعي الأوروبي اختبارًا جديدًا لمرونته مع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، إلا أن المحللين يرون أن القطاع لم يصل بعد إلى مستوى أزمة الطاقة التي شهدها عام 2022.
وقبل الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، كانت المصانع في جميع أنحاء المنطقة على طريق التعافي بعد سنوات من الركود.
وبدا أن المصانع مُهيأة للانتعاش هذا العام، مما يجعل ارتفاع تكاليف المدخلات انتكاسة مؤسفة.
ويقول كلاوس فيستيسن، كبير الاقتصاديين لمنطقة اليورو في بانثيون ماكروإيكونوميكس، لصحيفة وول ستريت جورنال “هذا أمر غير مُرحب به إطلاقًا بالنسبة للصناعة الأوروبية. كان القطاع قد بدأ يُظهر بوادر تحسن، لكن أزمة الطاقة تُهدد بتقويض كل ذلك”.
واستقر الإنتاج والطلبات مع نهاية عام 2025، مدعومًا بالحوافز الحكومية، بينما استفادت القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة من أدنى أسعار النفط والغاز منذ سنوات.
وارتفع الإنتاج الصناعي في منطقة اليورو بنسبة 1.5% خلال عام 2025، مسجلاً أول نمو سنوي منذ عام 2022.
لكن الثقة في التعافي الاقتصادي تراجعت بشدة منذ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
وأظهر استطلاع رأي أجراه معهد إيفو يوم الأربعاء أن ثقة قطاع الأعمال في ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ فبراير/شباط من العام الماضي.
ووجد الاستطلاع أن الحرب أثرت بشكل خاص على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما في ذلك قطاعات السيارات والكيماويات والأدوية والهندسة الميكانيكية.
ومع ذلك، قال فيستيسن إن الصدمة الحالية تتركز بشكل أساسي حول النفط، وليس الغاز، مما جنّب الصناعة الأوروبية الخسائر الفادحة التي شهدتها في أعقاب بداية الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز



